الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

146

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المؤمنات . إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ . استئناف بياني لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يخطر في نفسه التعجب من عدم تأثر أكثر المشركين بإنذاره فأجيب بأن إنذاره ينتفع به المؤمنون ومن تهيّئوا للإيمان . وإيراد هذه الآية عقب التي قبلها يؤكد أن المقصد الأول من التي قبلها موعظة المشركين وتخويفهم ، وإبلاغ الحقيقة إليهم لاقتلاع مزاعمهم وأوهامهم في أمر البعث والحساب والجزاء . فأقبل اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالخطاب ليشعر بأن تلك المواعظ لم تجد فيهم وأنها إنما ينتفع بها المسلمون ، وهو أيضا يؤكد ما في الآية الأولى من التعريض بتأمين المسلمين بما اقتضاه عموم الإنذار والوعيد . وأطلق الإنذار هنا على حصول أثره ، وهو الانكفاف أو التصديق به ، وليس المراد حقيقة الإنذار ، وهو الإخبار عن توقع مكروه لأن القرينة صادقة عن المعنى الحقيقي وهي قرينة تكرر الإنذار للمشركين الفينة بعد الفينة وما هو ببعيد عن هذه الآية ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنذر المشركين طول مدة دعوته ، فتعين أن تعلق الفعل المقصور عليه ب الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ تعلّق على معنى حصول أثر الفعل . فالمقصود من القصر أنه قصر قلب لأن المقصود التنبيه على أن لا يظنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انتفاع الذين لا يؤمنون بنذارته ، وإن كانت صيغة القصر صالحة لمعنى القصر الحقيقي لكن اعتبار المقام يعين اعتبار القصر الإضافي . ونظير هذه الآية قوله في سورة يس [ 11 ] إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وقوله : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ في سورة ق [ 45 ] ، مع أن التذكير بالقرآن يعم الناس كلهم . والغيب : ما غاب عنك ، أي الذين يخشون ربهم في خلواتهم وعند غيبتهم عن العيان ، أي الذين آمنوا حقا غير مراءين أحدا . و أَقامُوا الصَّلاةَ أي لم يفرطوا في صلاة كما يؤذن به فعل الإقامة كما تقدم في أول سورة البقرة . ولما كانت هاتان الصفتان من خصائص المسلمين صار المعنى : إنما تنذر المؤمنين ، فعدل عن استحضارهم بأشهر ألقابهم مع ما فيه من الإيجاز إلى استحضارهم بصلتين مع